القرطبي

50

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

الإنسان وأفرح منه بذلك الملك وهو قوله تعالى : وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ آل عمران : 8 ] ثم يقبض عند الطعنة على ما يأتي « 1 » . وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : حضرت وفاة أبي أحمد ، وبيدي الخرقة لأشدّ لحييه ، فكان يغرق ثم يفيق ويقول بيده : لا بعد ، لا بعد . فعل هذا مرارا ، فقلت له : يا أبت أي شيء ما يبدو منك ؟ فقال : إن الشيطان قائم بحذائي ، عاضّ على أنامله ، يقول : يا أحمد فتّني ، وأنا أقول : لا ، بعد لا ، حتى أموت « 2 » . قلت : وقد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول : حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتضر . فقيل له : قل لا إله إلا اللّه ، فكان يقول : لا ، لا ، فلما أفاق ذكرنا له ذلك ، فقال : أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي . يقول أحدهما : مت يهوديا فإنه خير الأديان ، والآخر يقول : مت نصرانيا فإنه خير الأديان . فكنت أقول لهما : لا ، لا ، إليّ تقولان هذا ؟ وقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي والنسائي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول : مت يهوديا مت نصرانيا » . فكان الجواب لهما لا لكما . قلت : ومثل هذا عن الصالحين كثير يكون الجواب للشيطان لا لمن يلقنه الشهادة ، وقد تصفّحت كتاب الترمذي أبي عيسى ، وسمعت جميعه ، فلم أقف على هذا الحديث فيه ، فإن كان في بعض النسخ - فاللّه أعلم . وأما كتاب النّسائي فسمعت بعضه ، وكان عندي كثير منه ، فلم أقف عليه ، وهو نسخ ، فيحتمل أن يكون في بعضها . واللّه أعلم . وروى ابن المبارك وسفيان عن ليث ، عن مجاهد قال : ما من ميّت إلا تعرض عليه أهل مجالسه الذين كان يجالس ، إن كانوا أهل لهو فأهل لهو ، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر . وقال الربيع بن شبرة بن معبد الجهني وكان عابدا بالبصرة : أدركت الناس بالشام وقيل لرجل : يا فلان ! قل : لا إله إلا اللّه قال : اشرب واسقني ، وقيل لرجل

--> ( 1 ) هذا خلاف ما قرّره المصنف - رحمه اللّه - في تفسير هذه الآية ؛ انظر « الجامع لأحكام القرآن » له ( 4 / 19 - 21 ) و « تفسير القرآن العظيم » لابن كثير ( 1 / 454 - 455 ) وغيرهما . ( 2 ) قال الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ( 11 / 341 ) : « وفي جزء محمد بن عبد اللّه بن علم الدين : سمعناه قال : سمعت عبد اللّه بن أحمد يقول : . . . فذكره - ثم قال : فهذه حكاية غريبة ، تفرّد بها ابن علم ، فاللّه أعلم » .